اليسار في المشرق العربي (5) – نهاد ابو غوش
اليسار في المشرق العربي (5) – نهاد ابو غوش
نحو جبهة ديمقراطية عريضة لقوى اليسار واليساريين في كل بلدنهاد أبو غوشنختتم هذه السلسلة عن أوضاع اليسار العربي بالقول أنه إلى جانب المشكلات التي أوردناها آنفا بشأن الأوضاع التنظيمية البنيوية لتنظيمات اليسار، وما يتصل بمشكلاته البرنامجية والتحالفية، والمنافسات الضارة بين فصائله القريبة من بعضها في البلد الواحد، فإن تراكم هذه المشكلات وطول عهدها ينتج مشكلة جديدة اسمها الاعتياد على هذا الوضع الهامشي، والتسليم به وكأنه حتمية، او أنه نتاج ظروف موضوعية قاهرة أقوى من إرادة اليساريين وقدرتهم. ولعل في عمق هذه المشكلات قناعات راسخة أكثر خطورة سببها الاعتقاد بأن ما حل بالاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية والفصائل المرتبطة بها، سيترك آثارا حتمية على أوضاع اليسار ما سيؤدي إلى لزومه الهامش، واستحالة النهوض.قد يكون ما سلف صحيحا بالنسبة للأحزاب التي تقدس الصنمية الستالينية ولا ترى آفاقا للعمل اليساري إلا في ما اعتادت عليه أيام مجدها، ولكنه ليس صحيحا بالمطلق إزاء منطق التاريخ والعلوم الاجتماعية، والحقائق الدامغة على الأرض. فطالما أن المجتمع منقسم إلى طبقات وفئات وشرائح اجتماعية متباينة المصالح، تظل هناك حاجة موضوعية لمن يتبنى مصالح الفئات المضطَهَدة، كما تبقى الحاجة ماسة لمن يتبنى مواقف داعمة للتجديد وحرية الإنسان وكرامته في مواجهة كل أشكال الاضطهاد الإنسان للإنسان سواء كانت طبقية أو اجتماعية.حتى المجتمعات الأكثر تقدما في عالم اليوم وبكل ما جاءت به ثورات التقنية والاتصالات، هذه المجتمعات بحاجة لمن يناضل من أجل تسخير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لمصلحة عموم البشر، ومن أجل مجتمعات بشرية أكثر عدالة، لا من أجل مراكمة الثراء الفاحش على حساب مليارات الكادحين الذين لا يتدبرون قوت يومهم في الوقت الذي اجتازت فيه بعض الثروات الفردية التريليون دولار، ولا من أجل انفلات الذكاء الصناعي وتطبيقاته من كل معايير الأخلاق والقيم، واستخدام ذكاء الآلة في تطوير تقنيات الحروب والقتل والدمار كما تفعل إسرائيل في برامج القتل التي طورتها (اللافندر)، وفي استخدام المسيرات الذكية والروبوتوت التي تعمل ليل نهار على تدمير القرى والبيوت في غزة وجنوب لبنان من دون أن تقامر إسرائيل بتعريض حياة جندي واحد للخطر.مناضلو اليسار وطلائعه المثقفة، من هو منضوٍ في أحزاب ومن هم خارجها مدعوون جميعا للبحث عن صيغ جديدة لعمل مشترك وموحد، صيغ تؤسس على التجربة العريقة والطويلة لفصائل اليسار ونجاحاتها وإخفاقاتها، ولكنها تأخذ في الاعتبار تطورات العصر ومشكلاته الجديدة، وما تجذر من ثقافات وقيم إنسانية جديدة ومتجددة مثل حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، والشفافية، والنزاهة، والمساءلة، والحريات المدنية، ومبادئ المواطنة، ومنع التمييز بكل أشكاله، والتعددية السياسية، وحق تقرير المصير سواء السياسي أو الثقافي.لم تعد القوالب القديمة الجامدة صالحة أو مهيأة لاستيعاب كل هذه التطورات والمتغيرات، ولذلك لا بد من صيغ جبهوية عريضة، تستوعب الخلافات الثانوية، وتجد طرقا خلاقة لإدارتها، وفي نفس الوقت تمسك بالقواسم المشتركة لقوى اليسار المنظمة والأفراد والتشكيلات المختلفة، لا بد إذن من صيغ جبهوية ديمقراطية تستوعب كل القوى اليسارية في البلد الواحد، وتضمن حق الاختلاف الداخلي، ولكن توجد الصيغ العملية للنضال المشترك ضد القوى الرجعية وقوى الاستغلال.يمكن التقدم نحو هذه الصيغ بالتدريج، لا بوصفها صيغ لخوض الانتخابات فقط، بل هي صيغ للنضال المشترك الثقافي والفكري والطبقي والنقابي والسياسي، صيغ توحد التيار العريض لقوى اليسار وتعيد تموضعه في المجتمع كتيار فاعل ومؤثر في حياة الناس والبلاد، هذه الصيغة بحاجة إلى طلائعيين يتبنونها وقوى تغلب مصالح الشعب والطبقة الاجتماعية على مصالح القادة الأفراد والحزب، فالحزب في نهاية المطاف ليس غاية في حد ذاته، بل هو أداة نضال في يد الطبقة الاجتماعية التي يتبنى مصالحها.