اصرخ بوجهي – داود سلمان عجاج
اصرخ بوجهي – داود سلمان عجاج
اصرُخ بوجهي… اقترب أكثر، ألغِ تلك المسافات التي ظلت تكبر بيننا حتى صارت جداراً لا يُرى. املأ الدنيا ضجيجاً إن شئت؛ من حقك أن تفعل، ومن حقي ربما أن أبادلك النظرات، أن أرفع عيني في وجهك ولو لمرة واحدة، وأن أسأل: من قال إن العين خُلقت دائماً لكي تنحني؟لكن لا…
لا تتوهم كثيراً.فأنا، ومنذ صلابتي الأولى، كنت قد تلقيت وصيتي قبل أن أعرف معنى الوصايا. كانت أمي تمسك يدي وتقول: لا تُكثر الكلام، كن ولداً مطيعاً، فالصمت نجاة، والطاعة باب لا يُغلق. ثم كانت تزرع في داخلي صورةً أخرى لك؛ قالت إنك ملاك يعلو في الملكوت، تحاكي الأرواح وتعرف أسرارها، وأنك قادر على أن تبكيني حين تشاء، وتضحكني حين تشاء، بل إن بإمكانك أن تستنزل الدموع من عيون من سرقوا الهواء من صدور الآخرين، ومن خدعوا الجائع برغيف خبز، ومن أقنعوا الضعيف بأن انحناءه فضيلة.قالت إن طاعتك واجبة.هكذا افهمتني، أو هكذا أرادت لي أن أفهم.
ولم أكن يومها أملك إلا قلباً صغيراً وعينين معصوبتين.كبرتُ، وكبرت الوصية معي. صار الخوف عندي أدباً، والصمت حكمة، والانحناء احتراماً، وصار السؤال تهمةً قبل أن يولد. كلما حاول شيء في داخلي أن يرفع رأسه، سمعت صوت أمي من بعيد: كن مطيعاً…
لا تكثر الكلام.حتى نسيتُ أن لي صوتاً.ونسيتُ أن النظرة يمكن أن تكون احتجاجاً، وأن الصمت ليس دائماً علامة رضا، وأن القلب حين يطيل الاختباء قد يتحول إلى غرفة ضيقة لا تتسع إلا للخوف.الآن أسمعك تقترب.أشعر بأن المسافة بيننا تضيق، وبأن شيئاً في داخلي يريد أن يصرخ، لا عليك وحدك، بل على كل تلك السنوات التي عشتها بعينين مفتوحتين ولا أرى.اصرُخ بوجهي إن استطعت…ربما أبادلك النظرات هذه المرة.وربما، للمرة الأولى، لا أبحث عن أمي كي تسألني إن كنت قد أطعت.