فريد بوكاس : بين سحر -الدارجة- وعناد الأرقام وصمت الحقوق: قراءة نقدية في خطاب المنصوري أمام البرلمان المغربي
فريد بوكاس : بين سحر -الدارجة- وعناد الأرقام وصمت الحقوق: قراءة نقدية في خطاب المنصوري أمام البرلمان المغربي
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي لم يكن استعراض السيدة فاطمة الزهراء المنصوري للبرنامج الحكومي داخل قبة البرلمان مجرد محطة سياسية عادية، بل تحول إلى مواجهة مكشوفة مع معايير التواصل السياسي؛ شكلاً ومضموناً. فبين دفتي وثيقة دستورية يُفترض أن ترسم مستقبل البلاد، تأرجح الأداء بين فصحى مكسورة وعامية منقذة، وبين طموح اجتماعي جارف وعناد محاسباتي صارم. لكن الأخطر في هندسة هذا الخطاب لم يكن عثرات اللسان أو وعود الميزانية، بل ذلك "الصمت المطبق" والغياب التام لأي التزام حقوقي واضح يمس القضايا الحارقة للمغرب .المعركة اللغوية: عندما تهزم "الدارجة" هيبة الفصيحةأولى السقطات البنيوية التي شابت الخطاب تجسدت في الهشاشة اللغوية عند الإلقاء باللغة العربية الفصحى.
فقد سقطت المتحدثة في أخطاء تفتقر للحس المؤسساتي، بدءاً من غياب النصب في مواضعه الواجبة كقولها "بما يضمن للشباب حقوق واضحة" عوضاً عن النصب الصحيح "حقوقاً واضحةً" باعتبارها مفعولاً به، ومروراً بالتلعثم في تسمية المؤسسات الدستورية والسيادية مثل "السيد رئيس مجلس المستشار المحترم" بدلاً من صيغة الجمع الدستورية الصحيحة "مجلس المستشارين"، وصولاً إلى نحت مصادر غير فصيحة كاستعمال لفظة "تشميل" في قولها "توسيع الحماية لتشميل من…". ولم يقف الارتباك عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى غموض الدلالة وفساد التركيب كما في عبارة "بلدى كيف هذا المعاش"، والتداخل الإعرابي الذي شتت تماسك السياق حين قالت: "يرتكز برنامجنا على ثوابت الأمة… الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية والوحدة…".لكن المثير للانتباه كان ذلك الهروب الإرادي نحو الدارجة المغربية؛ فبعبارة عفوية حملت دلالات التهرب من ضغط الالتزام، قالت المنصوري: "حقيقة كنت ملتزمة مع راسي ما غاديش نخرج من النص"، لتبدأ بعدها رحلة التحلل من قيود الفصحى.
تدفقت عبارات من قبيل "تنغتنم هذه الفرصة"، "باش نهني ونحيي"، والحديث عن المرأة بأسلوب عامي صرف: "كانت هذ المراه في البيت تتربي ولادها… ولا فين ما كانت"، وصولاً إلى إقحام "الأنا" النضالية بالدارجة: "أنا اللي عرفت اشنو هو المسار… مبني على هذا الشي".
وحتى الأرقام والمصطلحات الإدارية خضعت للهيمنة العامية عبر استخدام لفظ "اعتماد جوج المليار درهما" بدلاً من "مليارين"، وعبارة "لاستجابة الحاجيات ديالهم"، وانتهاءً بـ "التماس منكم الثقة ديال هذا المجلس المحترم".هذا النزوع نحو العامية يكشف عن أزمة تواصلية حقيقية؛ فالفصحى ظهرت كقميص ضيق يربك حركة المتحدثة، بينما مثلت الدارجة طوق نجاة شعبوي لاستمالة العواطف. غير أن هذا الهروب كلف الخطاب هيبته ومأسسته، وتحول في مواضع عدة إلى عيوب إلقاء وتكرار لفظي حاد عكس حجم الضغط النفسي وصراع الكلمات، كتعثرها في نطق: "وهو تشريف يجسد… وهو تشري يجسد…"، وتلعثمها: "ستواصل الحك الحكومة"، وصولاً إلى التكرار التثبيتي المتلعثم مثل: "وتضمن وتضمن خدمات"، و**"لأنظمة التقاعد لأنظمة التقاعد"، و"سنحدث صندوقاً سنحدث صندوقاً خاصاً"، و"ومعاقبة تضارب المصالح ومعاقبة تضارب المصالح"، و"مع العمل مع مع العمل"**، والارتباك الصارخ في قولها: "دون طلب ورقي دون ورق دون ورق دون طلب ورقي".الفراغ الحقوقي الصادم: برنامج يعيد تدوير الوعود ويتجاهل زنازين الوطنإن النقد الحقيقي واللاذع للخطاب يتجاوز الشكل اللغوي ليفكك المضمون السياسي؛ حيث بدا غريباً وصادماً أن يستعرض برنامج حكومي شعارات "الكرامة" و"الدولة الاجتماعية" دون أن يجرؤ على ملامسة ملف حقوق الإنسان.
لقد أسقط الخطاب من أجندته تماماً الانفراج الحقوقي والسياسي، متجاهلاً حقيقة أن السجون لا تزال تضم العشرات من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي الذين تطالب الهيئات الحقوقية باستمرار بإنهاء معاناتهم وطي ملفاتهم.كيف يستقيم الحديث عن بناء "مغرب الثقة" والاستقرار، بينما يتم القفز فوق ملفات ثقيلة وهيكلية كملف معتقلي حراك الريف الذين يقبع أبرز نشطائهم خلف القضبان لسنوات، وكذا معتقلي حراك جرادة؟ كيف للحكومة أن تعد بمجتمع الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتعبير الحر ، وتصمت في الوقت ذاته عن قضايا محاكمة واعتقال المدونين وأصحاب الرأي مثل المدونة سعيدة العلمي؟ إن هذا التجاهل الممنهج امتد ليشمل حتى الرموز القانونية والسياسية السابقة، حيث لم يجد ملف الوزير السابق والنقيب الأستاذ محمد زيان أي صدى أو إشارة تلمح إلى رغبة حكومية في الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تخفف من الاحتقان الداخلي. إن قفز رئيسة الحكومة فوق هذه الملفات يثبت أن "الدولة الاجتماعية" الموعودة هي مجرد تقنية محاسباتية جافة، تفتقر إلى النضج الحقوقي الذي يرى في الحرية السياسية وحماية الرأي جزءاً لا يتجزأ من التنمية.المعادلات المستحيلة: طموح الوعود يصطدم بجدار الميزانيةهذا الانفصال عن الواقع الحقوقي يوازيه انفصال آخر عن الواقع الاقتصادي؛ فالبرنامج قدم توليفة من "المعادلات المستحيلة" محاولاً الجمع بين نقيضين لا يلتقيان في أدبيات التدبير المالي.فمن جهة، يغدق البرنامج الوعود برفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم [0.1.92، 0.1.93]، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وضخ ملياري درهم للأمازيغية، وتمكين الأرامل من معاش كامل بنسبة (100%)، وتقديم دعم مباشر للسكن القروي بـ 40 ألف درهم للأسر، فضلاً عن تعويضات تلقائية لفواتير الكهرباء. هذا الإنفاق الباذخ يتطلب بالضرورة ضخ سيولة هائلة في شرايين الاقتصاد.ومن جهة أخرى، وفي مفارقة تصدم المنطق المحاسباتي، يلتزم البرنامج بانضباط مالي حديدي: تحقيق نسبة نمو طموحة بـ 5% سنوياً [0.1.157، 0.1.158]، وكبح جماح التضخم في حدود 2%، وخفض عجز الميزانية لـ 3%، ووضع المديونية في مسار تنازلي لتقف عند حدود (62%) .
اقتصادياً، تحقيق نمو مرتفع في سياق جفاف بنيوي مستدام يتطلب استثمارات عمومية ضخمة ترفع المديونية أو تتسبب في تضخم مؤقت. أما الادعاء بأن "توسيع الوعاء الضريبي" و"تحسين نجاعة الإنفاق" كفيلان وحدهما بالتمويل فهو نوع من المتمنيات السياسية التي قد تنتهي باعتصار القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة .منطق الأرقام الجافة وغياب الواقعيةيستمر غياب المنطق التطبيقي في مطاردة الأهداف الرقمية المرتبطة بآجال زمنية حاسمة. إن الالتزام بخفض الهدر المدرسي إلى مستوى "صفر" بحلول عام 2030 ، أو رفع حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50%، يوضح أن واضعي الخطاب تعاملوا مع الأرقام كأدوات للبروباغندا السياسية؛ فالتعليم يعاني من أزمات هيكلية لا تحل بـ "الصفر الافتراضي"، والفلاحة المغربية رهينة بالتغير المناخي الذي لا يضمن ثبات إنتاج البذور في ظل توالي سنوات الجفاف القاسية.خطاب يداعب العواطف ويهرب من الحقيقة الجافةفي المحصلة، يعكس خطاب فاطمة الزهراء المنصوري ملامح مرحلة تعتمد على "الشعبوية البراغماتية"؛ خطاب يبرع في التشخيص اللامع ويمتلك الشجاعة لكسر جمود البروتوكول والحديث بلغة الشارع ليداعب عواطف الفئات الهشة، لكنه يهرب بشكل صارخ من مواجهة الحقيقة عندما يتعلق الأمر بـآليات التمويل، وينسحب تماماً من معركة الحقوق والحريات.
لقد نجحت المتحدثة في دغدغة مشاعر الحاضرين بلغة "جوج المليار و ديارهم"، لكنها قدمت وثيقة نوايا حسنة كُتبت بلغة فصحى مكسورة، وصمتت عن جراح المعتقلين، وزُينت بوعود اقتصادية يصعب صرفها في بنك الواقع.