جهاد حمدان : الحرب بين السعودية وأنصار الله … واليمن إلى أين؟

جهاد حمدان : الحرب بين السعودية وأنصار الله … واليمن إلى أين؟

تعود الحرب بين السعودية وأنصار الله في اليمن إلى الواجهة، بعد سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت هدنة عام 2022، ولكنها تعود هذه المرة في ظروف مختلفة، وبموازين قوى تبدلت كثيرًا عما كانت عليه عند انطلاق التدخل العسكري السعودي في آذار 2015. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تستهدف العمق السعودي، والغارات الجوية على الأراضي اليمنية، واتساع المواجهات الداخلية، تطرح سؤالًا ملحًا: إلى أين تتجه هذه الحرب، وهل يستطيع أي من الطرفين تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال أكثر من أحد عشر عامًا؟ويضيف الموقف المصري الجديد بُعدًا آخر إلى المشهد. فقد أعلنت القاهرة استعدادها لتقديم دعم عسكري للسعودية، بما قد يشمل إرسال قوات في مهمة دفاعية على أراضيها.

ورغم أن ذلك لا يعني اتخاذ قرار نهائي بإرسال القوات، فإنه يستحضر تجربة مصرية قاسية في اليمن، ويثير تساؤلات حول مخاطر توسيع دائرة الحرب.ففي 26 أيلول 1962، أطاح الضباط الأحرار بقيادة عبد الله السلال بالنظام الإمامي الذي كان يتزعمه الإمام محمد البدر بن أحمد حميد الدين، بعد أسبوع من توليه الحكم خلفًا لوالده. وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية، فسارع جمال عبد الناصر إلى دعم الجمهوريين وإرسال القوات المصرية لمساندتهم، بينما وقفت السعودية إلى جانب الإمام المخلوع والقوى الملكية الساعية إلى استعادة الحكم.وما بدأ تدخلًا لدعم الجمهورية تحول إلى حرب استنزاف في جبال اليمن ووديانه، حيث واجه الجيش المصري تضاريس صعبة وحرب عصابات استنزفت قواته وإمكاناته. وبلغ الوجود العسكري المصري نحو سبعين ألف جندي في ذروته، وسقط آلاف القتلى.

وفرضت الحرب أعباء عسكرية واقتصادية ثقيلة على مصر، ويرى بعض المؤرخين أنها أسهمت في إضعاف جاهزية جيشها عشية هزيمة حزيران 1967، وإن لم تكن سببها الوحيد.وتبرز هنا مفارقة تاريخية؛ فمصر التي حاربت دفاعًا عن الجمهوريين في مواجهة الملكيين المدعومين من السعودية، تبحث اليوم تقديم مساعدة عسكرية للسعودية في مواجهتها مع أنصار الله. ورغم اختلاف الظروف وطبيعة المهمة المطروحة، فإن التجربة التاريخية تثير مخاوف من الانزلاق إلى استنزاف جديد. فالقاهرة معنية بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وعلاقاتها الاقتصادية مع السعودية، لكنها معنية أيضًا بتجنب التورط في حرب طويلة.أما التدخل العسكري السعودي الذي بدأ عام 2015، فقد استهدف إعادة الحكومة المعترف بها دوليًا وإنهاء سيطرة أنصار الله على صنعاء.

ورغم التفوق العسكري الهائل للتحالف، لم يتحقق الحسم المنشود. بل تطورت قدرات أنصار الله الصاروخية والجوية، وأصبحوا قادرين على تهديد منشآت حيوية داخل السعودية.وتسيطر الحركة، وفق تقديرات متداولة، على نحو 40% من مساحة اليمن، تضم ما بين 75 و80% من السكان، وإن ظلت دقة هذه النسب محل تفاوت بين المصادر. وهذا الوزن السكاني والجغرافي يجعل استبعاد أنصار الله من أي تسوية سياسية أمرًا غير واقعي.وهنا تكمن المفارقة الأساسية: تستطيع السعودية إلحاق دمار واسع باليمن، لكنها لم تتمكن من تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي.

وفي المقابل، يستطيع أنصار الله تهديد المنشآت النفطية والمطارات السعودية، لكنهم لا يستطيعون فرض تسوية شاملة بالقوة. إنها معادلة استنزاف متبادل، يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.ولا تنفصل الحرب عن الصراع الإقليمي مع إيران وأمن البحر الأحمر وباب المندب. ولأنصار الله علاقات وثيقة بطهران، لكن اختزالهم في مجرد أداة إيرانية يتجاهل جذورهم المحلية وقاعدتهم الاجتماعية ومصالحهم اليمنية.

وفي المقابل، تحتاج السعودية، المنشغلة بتنويع اقتصادها وجذب الاستثمارات، إلى الاستقرار وحماية منشآتها وطرق تجارتها، وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل حرب مفتوحة.غير أن المخرج لا يكمن في وقف إطلاق النار وحده، وإنما في مراجعة جذرية لطبيعة العلاقات السعودية اليمنية. فاليمن ليس حديقة خلفية للسعودية، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه مجالًا للنفوذ أو دولة ينبغي إضعافها لضمان أمن الجارة الكبرى. إنه بلد عربي عريق، له تاريخه وشعبه وسيادته، ومن حقه اختيار نظامه السياسي وتقرير علاقاته الخارجية.ومن هنا تبرز ضرورة الكف عن سياسات احتواء اليمن عبر إضعاف مؤسساته، واستثمار انقساماته الداخلية، وشراء ولاءات بعض زعاماته السياسية والقبلية بالمال والامتيازات.

فمثل هذه السياسات لا تصنع استقرارًا دائمًا، بل تضعف القرار الوطني وتعمق الانقسامات. كما أن القضية الجنوبية، بتاريخها ومطالبها، لا يجوز تحويلها إلى أداة في الصراع الإقليمي، بل ينبغي أن يعالجها اليمنيون أنفسهم بعيدًا عن توظيفها لخدمة مصالح خارجية.وتقع على أنصار الله وسائر القوى اليمنية مسؤولية إنهاء الانقسامات والتوافق على بناء دولة تستوعب مختلف مكوناتها. وتبدأ التسوية بوقف شامل للعمليات العسكرية والهجمات العابرة للحدود، وتخفيف معاناة السكان، وفتح الطرق والموانئ، ومعالجة الأزمة الاقتصادية.

ثم الانتقال إلى حوار وطني شامل يضم جميع القوى اليمنية المتصارعة، وأهمها أنصار الله والقوى الجنوبية وسائر المكونات السياسية والاجتماعية، للاتفاق على شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. ولا يجوز أن تصبح المفاوضات السعودية مع أنصار الله بديلًا عن هذا الحوار.وتقدم تجربة الستينيات درسًا مهمًا؛ فقد انسحبت القوات المصرية بعد هزيمة 1967، ثم شهد اليمن الشمالي مصالحة بين الجمهوريين والملكيين عام 1970، اعترفت السعودية في أعقابها بالنظام الجمهوري. وتذكر هذه التجربة بأن التسويات السياسية تستطيع إنهاء صراعات عجزت القوة العسكرية عن حسمها.وتؤكد سنوات الحرب أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها حل التناقضات السياسية والاجتماعية، وأن استمرار الرهان على الحسم لا يؤدي إلا إلى المزيد من الضحايا والدمار والاستنزاف.

كما أن توسيع الحرب باستقدام قوات إضافية قد يعمق الأزمة بدلًا من حلها.إن المخرج التاريخي من هذه الحرب يبدأ حين تتخلى السعودية عن سياسات الهيمنة والاحتواء، وتتوافق القوى اليمنية على بناء دولة وطنية مستقلة وتعددية، وتقوم بين البلدين علاقات جوار وصداقة واحترام متبادل. فالسعودية الآمنة لا تحتاج إلى يمن تابع، واليمن المستقل لا يحتاج إلى السعودية عدوًا.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button